الحلقة ٣ : هذا العالم ليس سيئا كما اظن
ذهبت كعادتي كل صباح الى المقهى لاجلس الى طاولتي و على كرسي الخشبي المعتاد لاتمتع بقهوتي المرة المعتادة في روتين قاتل يتكرر منذ أمد ليس بالطويل و ليس بالقصير، لكنه مازال متواصلا الى حين ..
عند دخولي المقهى تفجأت بإمتلاء المقهى على غير عادته ..
حتى مكاني المعتاد فقد احتله أربعة أشخاص، نظرت الي هشام فهز كتفيه بما يوحي بعجزه هذه المرة عن تحرير مكاني مِنْ مَن احتله، هو قادر على إقناع شخص بتركه و لكن أربعة أشخاص فهذا صعب، إضافة لكون المحتلين الأربعة حسب ما فهمت من هشام يعدون من علية القوم، اتعرفون مفهوم علية القوم في مقهانا ؟
علية القوم هم من يطلبون مشروبات على عددهم و فوق هاذا قارورة ماء معدنية بلورية ..
هشام سيتحصل على إكرامية سخية هذا اليوم ..
جلست في ركن آخر يعلو حائطه اوساخ كثيرة و بقايا قهوة مسكوبة فوقه و اشياء اخرى تحولت بمفعول الزمن الى لوحة فنية أشبه بڨيرنيكا لبيكاسو تؤرخ لحروب طاحنة دارت في المقهى حول "سبعة حية" و "شكبة" و "فرشة في طرح رامي" ...
جلست على كرسي بلاستيكي ابيض دخيل على مقهى كله خشب عتيق و فوقي مباشرة تلفاز كبير سمين ، البلازما لا تعرف لها مكانا في مقهانا ..
اتذكر يوم اراد مالك المقهى تغيير التلفاز طومسون ذو الجوانب الخشبية بآخر ليس ببلازما و لكنه احدث من هذا التلفاز الخشبي الذي لا آلة تحكم له،
غضب كل رواد المقهى و قرروا الاظراب عن الاستهلاك، لكل جزء في هذا المقهى رمزيته و اقترن بذكريات..
حدثني يومها عم علي ذلك العجوز، اله الكلام البذيئ في المقهى، أن هذا التلفاز شاهد على انتصار تونس على المكسيك في كأس العالم 1978 .. فكيف يتجرؤ محمد صاحب المقهى على حرماننا من ذكرى كهذه ..
بدأت في شرب قهوتي المرة و لاداعي لتكرار اسباب شربي للقهوة المرة، تحدثت عن هذا سابقا، و بيني و بين نفسي سؤال وجودي واحد ..
ماهي المناسبة التي جعلت المقهى ممتلئا هذا الصباح على غير العادة ؟
ناديت هشام و سألته عن السبب ..
فأخبرني أن اليوم هو عيد العمال و هو يوم عطلة رسمية ..
شكرته و عدت الي قهوتي المرة اشرب قليلا منها و اضع يدي على رأسي لاحك شعري و اغرق في أفكاري ..
افكر في خيباتي التي جعلتني اهجر حياتي السابقة و اتقوقع هنا ..
فكرت في عملي الذي تركته و دراستي التي اهملتها و فرحي و حبي للحياة الذين رحلوا بدون رجعة ..
تذكرت أن العالم لم يقف عندما هجرته و انزويت وحدي لا كليم لي غير هشام الذي اطلب منه قهوة او "ولعة" .. القطارات تواصل سيرها و تأخرها المعتاد، مجلس النواب يواصل مساعيه لتمرير قانون المصالحة، اصدقائي يعيشون حياتهم كالمعتاد ، البوليس يواصل إرهابه لمشجعي كرة القدم في الملاعب ، البلدية لن تبدأ اجرائاتها الوقائية من البعوض مبكرا كالمعتاد ..
لن يشعر احد بغيابي .. و ستواصل الارض دورانها ، أن كانت كروية, و اذا تم إثبات عكس ذلك فعلى ڨاليلي السلام ..
يقطع حبل افكاري او خيباتي كالمعتاد عبد الله المجنون بصراخه و تساؤله اليومي المتكرر المعتاد منذ كنت طفلا صغيرا يغير الرصيف و يجري هربا عندما يرى عبد الله ..
"شبيني انا، شنوة ناقصني، علاه ما نعرسش ؟"
ساحدثكم يوما عن عبدالله و هوسه و حبه للمرأة التي ينظم فيها أبياتا كل يوم صدره مدح و عجزه هجاء ..
اكمل ما تبقى من قهوتي ..
اخرج من المقهى قائلا في قرار نفسي غدا سيكون يوم افضل ، سيكون يوما اجمل ..
سيعود كل العمال الي أماكن عملهم بعد احتفالهم بعيدهم ، سيعود المقهى فارغا جميلا كعادته ..
و ستحرر طاولتي المفضلة و كرسي الخشبي من احتلال الأعيان .. لتعود الممتلكات الي شعب المسحوقين ..
صراحة هذا العالم ليس سيئا كما اظن .
أنه اسوء حتى من ظني السيء ...
[م.ب]
عند دخولي المقهى تفجأت بإمتلاء المقهى على غير عادته ..
حتى مكاني المعتاد فقد احتله أربعة أشخاص، نظرت الي هشام فهز كتفيه بما يوحي بعجزه هذه المرة عن تحرير مكاني مِنْ مَن احتله، هو قادر على إقناع شخص بتركه و لكن أربعة أشخاص فهذا صعب، إضافة لكون المحتلين الأربعة حسب ما فهمت من هشام يعدون من علية القوم، اتعرفون مفهوم علية القوم في مقهانا ؟
علية القوم هم من يطلبون مشروبات على عددهم و فوق هاذا قارورة ماء معدنية بلورية ..
هشام سيتحصل على إكرامية سخية هذا اليوم ..
جلست في ركن آخر يعلو حائطه اوساخ كثيرة و بقايا قهوة مسكوبة فوقه و اشياء اخرى تحولت بمفعول الزمن الى لوحة فنية أشبه بڨيرنيكا لبيكاسو تؤرخ لحروب طاحنة دارت في المقهى حول "سبعة حية" و "شكبة" و "فرشة في طرح رامي" ...
جلست على كرسي بلاستيكي ابيض دخيل على مقهى كله خشب عتيق و فوقي مباشرة تلفاز كبير سمين ، البلازما لا تعرف لها مكانا في مقهانا ..
اتذكر يوم اراد مالك المقهى تغيير التلفاز طومسون ذو الجوانب الخشبية بآخر ليس ببلازما و لكنه احدث من هذا التلفاز الخشبي الذي لا آلة تحكم له،
غضب كل رواد المقهى و قرروا الاظراب عن الاستهلاك، لكل جزء في هذا المقهى رمزيته و اقترن بذكريات..
حدثني يومها عم علي ذلك العجوز، اله الكلام البذيئ في المقهى، أن هذا التلفاز شاهد على انتصار تونس على المكسيك في كأس العالم 1978 .. فكيف يتجرؤ محمد صاحب المقهى على حرماننا من ذكرى كهذه ..
بدأت في شرب قهوتي المرة و لاداعي لتكرار اسباب شربي للقهوة المرة، تحدثت عن هذا سابقا، و بيني و بين نفسي سؤال وجودي واحد ..
ماهي المناسبة التي جعلت المقهى ممتلئا هذا الصباح على غير العادة ؟
ناديت هشام و سألته عن السبب ..
فأخبرني أن اليوم هو عيد العمال و هو يوم عطلة رسمية ..
شكرته و عدت الي قهوتي المرة اشرب قليلا منها و اضع يدي على رأسي لاحك شعري و اغرق في أفكاري ..
افكر في خيباتي التي جعلتني اهجر حياتي السابقة و اتقوقع هنا ..
فكرت في عملي الذي تركته و دراستي التي اهملتها و فرحي و حبي للحياة الذين رحلوا بدون رجعة ..
تذكرت أن العالم لم يقف عندما هجرته و انزويت وحدي لا كليم لي غير هشام الذي اطلب منه قهوة او "ولعة" .. القطارات تواصل سيرها و تأخرها المعتاد، مجلس النواب يواصل مساعيه لتمرير قانون المصالحة، اصدقائي يعيشون حياتهم كالمعتاد ، البوليس يواصل إرهابه لمشجعي كرة القدم في الملاعب ، البلدية لن تبدأ اجرائاتها الوقائية من البعوض مبكرا كالمعتاد ..
لن يشعر احد بغيابي .. و ستواصل الارض دورانها ، أن كانت كروية, و اذا تم إثبات عكس ذلك فعلى ڨاليلي السلام ..
يقطع حبل افكاري او خيباتي كالمعتاد عبد الله المجنون بصراخه و تساؤله اليومي المتكرر المعتاد منذ كنت طفلا صغيرا يغير الرصيف و يجري هربا عندما يرى عبد الله ..
"شبيني انا، شنوة ناقصني، علاه ما نعرسش ؟"
ساحدثكم يوما عن عبدالله و هوسه و حبه للمرأة التي ينظم فيها أبياتا كل يوم صدره مدح و عجزه هجاء ..
اكمل ما تبقى من قهوتي ..
اخرج من المقهى قائلا في قرار نفسي غدا سيكون يوم افضل ، سيكون يوما اجمل ..
سيعود كل العمال الي أماكن عملهم بعد احتفالهم بعيدهم ، سيعود المقهى فارغا جميلا كعادته ..
و ستحرر طاولتي المفضلة و كرسي الخشبي من احتلال الأعيان .. لتعود الممتلكات الي شعب المسحوقين ..
صراحة هذا العالم ليس سيئا كما اظن .
أنه اسوء حتى من ظني السيء ...
[م.ب]
Commentaires
Enregistrer un commentaire