الحلقة ٤ : قطعة سكر

دون ان يسألني اتاني هشام بقهوتي اليومية، جلست الى طاولتي و على كرسيي المعتاد كما يجلس ملوك "ويستروس" على العرش الحديدي, كنت مستعدا هذا اليوم لان اقيم حرب كحرب "ايغون الفاتح" لتوحيد الممالك السبعة او ثورة كثورة "روبرت باراثيون" من اجل السيطرة على العرش الحديدي، كرسيي الخشبي الصغير ..
كنت احس بتعب شديد بعد ليلة عاصفة ، شربت من قهوتي فأحسست بمرارة شديدة، و كانني شربت كأس حنظل، لم يسبق لي أن تذوقت الحنظل و لا اعرف حتى شكله هل هو نبات او اي شيء آخر، لكنني عرفت مرارته من خلال دروس اللغة العربية عندما درسنا شعر عنترة بن شداد .
"لا تسقني ماءَ الحياة ِ بذلة ٍ بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل"
طلبت من هشام أن يأتيني بقطعة سكر اضعها في قهوتي، استغرب لهذا الطلب و لكنه اتاني يحملها بأصابعه السوداء التي يعد بها الشيشة و ينضف بها الارض و الطاولات و كل ما يستحق التنظيف دون أن يغسلها
وضعها مباشرة في قهوتي، نهرته على اتساخ يده و وضعه السكر بيده المتسخة في قهوتي فضحك ضحته البلهاء و قال لي : "كل من عليها فان يا راجل"..
نعم يا هشام كل من عليها فان..
و الفناء هو سر الوجود
أحسست أنني افني عمري في لا شيء ، لا شيء يستحق ما افعله في نفسي
انظر الى الناس من حولي فاشاهد البؤس يعلو وجوههم، نظراتهم تحكي قصصا من المعانات و لكن في كل ركن في كل طاولة تسمع ضحكات و قهقهات تتعالى بين الفينة و الاخرى
الكل يقتل همومه بالضحك، ربما هو ضحك نابع من القلب و ربما للاستهزاء باوضاعهم و لكن على كل حال يضحكون ، يفرغون شحنة من البؤس على طاولات الورق و في حلقاتهم الحوارية التي تناقش اللاشيء
وحدي اتقوقع مهموما، مكلوما، منزويا في ركن
أحسست أنني بحاجة لان اتكلم مع شخص، منذ اسابيع و انا اتكلم مع نفسي، بدأت أحس بالجنون
اصبحت اتحاور مع نفسي و اطرح عليها الأسئلة و هي تجيبني و اناقشها في مواضيع عدة و في بعض الاحيان يحتد النقاش بيننا و يصل الى حدود الخصام .. نعم لقد تخاصمت الاسبوع الفارط مع نفسي و لم احدثها ليومين متتاليين.
بعدها لم استطع ان اواصل مخاصمتي لها فقررت أن اصالحها لانني أحسست بفراغ رهيب بدونها..
جلست يومها في المقهى و عندما أحضر لي هشام قهوتي طلبت منه قهوة ثانية، تعجب كعادته لك طلب يخالف المألوف و لكنه أحضر القهوة، القهوة الثانية طلبتها لنفسي كعربون مودة و محبة.
شربت قهوتي و شربت لنفسي القهوة الثانية و تحاورنا و ذاب جليد الخلاف و عندنا الى سالف عهدنا..
نظرت حولي فلم اجد مع من اتكلم صراحة.. أحسست ببشاعة العالم، سبعة مليارات نسمة و لا تجد شخصا واحدا تحاوره.. و لكن في قمة اليأس ياتي الأمل..
دخل عبد الله المجنون الي المقهى .. نعم عبد الله هو الأمل، على الاقل هو صريح، يشبعك سبا عندما يريد و يغني عندما يريد و ينام عندما يريد أينما يريد، من افواه المجانين تأتيك الحقيقة ..
طلبت منه الجلوس بجانبي فاشترط على أن أطلب له قهوة، "تدلل يا عبدالله"..
جلس بجانبي ولكنه لم ينبس ببنت شفة، كنت احدثه و هو صامت صمت القبور، حتى عبدالله "عداها عليا" و شرب القهوة و لم يرضى أن يكلمني
احسست بغضب شديد مخلوط بشيء من الاسى و الحزن
صحيح ان العالم مقرف و حالتي "متعبة أصل" على رأي شيخ الجمايلية، لكن لن تصل بي الحالة الى التوسل الى مجنون من اجل ان يتحدث معي..
تركت له المكان و غادرت
قطعة السكر في قهوة اليوم هي التي جعلتني افكر و ابحث عن شخص اكلمه، هي تأشير على بداية جديدة،ربما, اقطع فيها مع عالم الوحدة و الانكسار
و اقف فيها اما العالم منتصبا كعلامة تعجب
لا منحنيا كعلامة استفهام
[م.ب]

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

نحبك و نعشق ربك

كسكسي: حبوب الكرامة

قداه نحبك